
إغاثة الملهوف وإطعام الجائع من القيم الأصيلة ذات الجذور الراسخة في وجدان الشعب السوداني، ولم يزل الناس في المدن والقرى والبوادي يتسابقون في إخراج الصواني المليئة بالطعام من بيوتهم بحثاً عن الغرباء وعابري السببيل، ويكون هذا الإيثار أكثر وضوحاً في شهر رمضان وفي الأعياد وفي سرادقات العزاء، وأيضاً عند الشدائد، كحال البلاد الآن مع الحرب المتواصلة منذ العام ٢٠٢٣م.
منذ اندلاع هذه الحرب، أصبحت القرى على امتداد الريف السودني، هي الملاذ والملجأ للنازحين الفرين من جحيم الحرب في العاصمة والمدن الأخرى. فاستقبلت القرى النازحين وأسكنتهم القلوب قبل البيوت والمدارس التي تحوّلت فصولها إلى مأوى للمنام والطعام والطمأنينة وراحة البال.
وفي مدينة كبرى مثل الخرطوم العاصمة التي يزيد سكانها عن ستة مليون نسمة، كان للعمل الإغاثي والإيوائي حضوره القوي والقديم في سائر الأحياء الشعبية وخصوصاً في المساجد ودور التحفيظ، أما بعد اندلاع حرب ابريل ٢٠٢٣م فإن الدائرة اتسعت وازداد الطلب على الإطعام والإيواء والعلاج للأعداد الكبيرة من المواطنين الذين حاصرتهم الحرب فلم يتمكنوا من الفرار. في تلك اللحظات العصيبة برز المقتدرون وأهل البر وصانعو المعروف وقدّموا الطعام المجاني، تحت زخات الرصاص، لجميع المحاصرين في أحياء العاصمة، فأنقذوا الأرواح وملؤوا البطون الخاوية وضمّدوا الجراح.
ومن أبرز الأمثلة في تلك الفترة: شيخ الأمين عمر الأمين في امدرمان، الذي آثر البقاء مع المحاصرين وفتح مسيده لإيواء الفارين من القصف مع تجهيز الطعام وتوزيعه على آلاف الأسر طيلة فترة الحرب.
وفي هذا الإطار تطرق تقرير مطول ل/ اسكاي نيوز (٥/١٢/٢٠٢٥) لظاهرة التكايا في السودان، وأكد أن أزقة المدن السودانية التي أثقلتها الحرب، ينبعث منها يومياً بصيص أمل من قدور كبيرة تفور بالطعام في ما يُعرف محلياً بـ”التكايا” أو المطابخ الجماعية، وهي مبادرات تطوعية تحولت إلى ركيزة أساسية لعمل غرف الطوارئ في ظل تحذيرات برنامج الأغذية العالمي من تفاقم الجوع وسوء التغذية. ورغم تحديات شح التمويل، يؤكد التقرير، أن هذه “التكايا” مستمرة في أداء دورها الأهم: أن تبقي حياة الناس ممكنة، ولو بوجبة ساخنة تعيد إليهم جزءاً من الأمان وسط العاصفة.
ولا بدّ من التأكيد على أنّ العمل الإغاثي منذ اندلاع المعارك وصولاً إلى يومنا هذا لم يقتصر على المبادرات المعلنة فقط، بل شمل العديد من الأفراد والمنظمات وروابط الأحياء التي آثر القائمون عليها العمل بصمت (خلف الكاميرا)، وفي أذهانهم الإرشاد النبوي الكريم (صدقة السر تطفئ غضب الرب)، فأطعموا وسقوا وأدخلوا البهجة في قلوب الأطفال دون منٍ ولا أذى ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).
ومن أهم المبادرات في هذا الميدان، مبادرة “قدح الخير” تحت إشراف الأستاذ الكابتن والخبير الإداري أنور حسين الذي صبر وثابر وغامر برفقة معاونيه في الوصول إلى الأسر العالقة في أحياء العاصمة المتفرقة وهم يحملون معهم الأرز والدقيق على الدواب وعربات الكارو لانعدام السيارات التي نُهبت إبان سيطرة الدعم السريع على المدينة. فالتحية لأتيام مبادرة قدح الخير وهم يقدّمون الوجبات الساخنة للأسر ولطلاب المدراس رغم التحديات الأمنية وشح الموارد.
إصرار هؤلاء الخيّرين وغيرهم ممّن عمل بعيداً عن الأضواء، إصرارهم على البقاء مع الشعب المحاصر، كان له الأثر الكبير في استعادة الثقة واستعادة زمام المبادرة وتقوية الترابط الاجتماعي بين الناس وصولاً إلى مرحلة إنحسار الأعمال العسكرية في العاصمة وفي غيرها من المدن.
تحية إجلال وتقدير لكل الأبطال الذين أعادوا الزخم لظاهرة سُفر الطعام أو التكايا، كإحدي قيم الاعتزاز والفخر وعنوان التضامن بين فئات الشعب المختلفة.
ولهذه التكايا، كما سبقت الإشارة، وجود عريق في المجتمع السوداني يمتد لما قبل ممالك “الفور” “والمسبعات” وسلطنة “الفونج والعبدلاب” ..الخ.
وعنوان هذا المقال وثيق الصلة بموضوع التكايا، حيث تذكر كتب التراث أن قائل العبارة:- “كان ما عجيني منو البجيني” هو الشيخ العبيد ودبدر، مؤسس قرية “ام ضواً بان” جنوبي الخرطوم. وكان الشيخ العبيد ود بدر ، قبل تأسيس القرية، يكثر من سياحة التأمل والنظر والإرشاد، قبل أن يقرر الاستقرار وفلاحة الأرض والتفرغ لتعليم القرآن واستقبال القاصدين مع الإيواء والإطعام فعمرت “أم ضواً بان” وازدهرت بنار القرآن وموائد الطعام وأصبحت مقولة الشيخ [كان ما عجيني منو البجيني] واقعاً معاشاً في أم ضواً بان وفي غيرها من القرى والدساكر على مر الدهور والأزمان.
ختاماً، لا بدّ من إرسال نداء إلى مَن بيدِهم زمام الأمر في هذه البلاد التي أنهكتها الحرب، بأن جموع الشعب تتطلع إلى رؤية مبادرات وقف الحرب المطروحة على طرفي الحرب وقد تحوّلت إلى واقع منفّذ على الأرض، تصمت معه أصوات البنادق وأزيز الطائرات الحربية ويعم السلام الدائم أرجاء الوطن (وما ذلك على الله بعزيز).





