
كنت قد كتبت مقالاً قبل أكثر من خمس سنوات تناولت فيه أوضاع الأستاذ الجامعي في البلاد، وما يعانيه من فقر بصريح العبارة وبمعناها الحرفي للدرجة التي لا يستطيع بها أن يؤدي عمله على أكمل وجه وهو بذلك الوضع المهين، ورغم ذلك الوضع المهين للأستاذ الجامعي من قبل الدولة نجده صابراً محتسباً ومجاهداً في أن يؤدي عمله على أكمل وجه، بقدر ما يستطيع مقدماً في ذلك مصلحة الطلاب، مع عجزه في نفس الوقت في توفير أدنى احتياجاته وإلتزاماته اليومية، آملاً أن يجد أدنى اهتمام من الدولة، لكن يبدو وبحكم الأمر الواقع أن الأستاذ الجامعي والتعليم عموماً ليس من أولويات الدولة على الإطلاق، ولا يخفى ذلك الوضع البائس للأستاذ الجامعي على الجميع، فالحديث عن ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي نظير عمله مخجل للدرجة التي لا يمكن التصريح بها، صحيح يعلم الجميع الوضع البائس، لكن لا يمكنهم أن يصدقوا حقيقة تلك الأرقام المخجلة، لا أقول مقارنة بوضع الأستاذ الجامعي إقليميا ودولياً، فالبون هنا شاسع جدا، إنها أرقام مخجلة حتى بما يتقاضاه آخرون في هذا السودان وفي ظل ظروف الحرب.
بعد خمس سنوات من كتابة مقالي السابق تغير الوضع إلى أسوأ بكثير، وكما كتبت أنا فقد كتب غيري الكثير من الزملاء مطالبين بحقوق الأستاذ الجامعي، وعلى الرغم من عشرات المقالات التي كُتبت والمقابلات التي أجريت مع بعض المسؤولين هنا وهناك، لم تجد المطالب أذناً صاغية حتى الآن، وهذا يعني ببساطة أن الأستاذ الجامعي والصرف عليه ليس من أولويات الدولة.
حتى لا يفهم البعض بأننا نطالب بأشياء مستحيلة أقول ببساطة أن الأستاذ الجامعي يطالب بتطبيق القانون المجاز الذي يمنح الأستاذ حقوقه، ونضع تحت كلمة مجاز هذه خطين، أي أن القانون موجود ومجاز فقط ينقصه التطبيق، والغريب والمحير والمؤسف أن نفس هذا القانون مطبق على فئات أخرى وردت مع نفس فئة أساتذة الجامعات، وقد تم تطبيق القانون على تلك الفئات مع تجاهل أساتذة الجامعات، وهذا ما يثير الحنق، ويا للعجب، ببساطة نحن نطالب بحق قانوني مجاز ومستحق.
لا أظن أننا نحتاج أن نشرح كيف يضحي الأستاذ الجامعي بوقته وبجهده من أجل استمرار العملية التعليمية وتقديم مصلحة الطلاب أولاً، فيكفي أن الأستاذ الجامعي كان يعمل لمدة عامين بما يزيد بقليل على نصف راتبه الضعيف والمخجل من أساسه، ولم يتم صرف فروقات الراتب حتى الآن، ناهيك عن أنها فقدت قيمتها وقوتها الشرائية، ولا أظن أن الأمر يحتاج لكثير توضيح.
رسالتي إلى البرهان وحكومته، أن الأستاذ الجامعي يستحق وضعاً أفضل بكثير من وضعه البائس الحالي، ولا أبالغ إن قلت أن أي عمل حر آخر قد يكون أفضل للأستاذ الجامعي من حيث العائد المادي، وربما يترك الكثير من الأساتذة العمل في الجامعات بعد أن أجبرتهم ظروف الحرب على العمل في مهن أخرى ووجدوا أن دخلها يفوق ما يتقاضونه في الجامعات بعشرات الأضعاف، مع جهد ذهني أقل، وبالتالي فإن كل أستاذ جامعي قادر على ترك المهنة دون أن يتأسف عليها من حيث تحقيق العائد في مهن أخرى، لكن هنا قد يكون الأستاذ الجامعي قد حل مشكلته الشخصية، لكن من يحل المشكلة العامة عندما تصبح هذه المهنة طاردة، هذا مع ملاحظة أن العمل في مهنة التدريس الجامعي من حيث الشروط المؤهلة لذلك صعبة جداً، أي ببساطة لا يمكن أن يصبح شخصا ما أستاذاً جامعياً بفوهة البندقية أو حتى وفق محاصصات حزبية، فالأمر هنا يقوم على التأهيل فقط.
على قيادة الدولة الاستماع إلى مطالب الأساتذة وحل مشكلاتهم ومنحهم حقوقهم المجازة والمستحقة، ولا نحتاج أن نقول أنه وبالتأكيد ما ستنفقه الدولة على التعليم عموما سيعود على الدولة بالتقدم والتطور والنماء والوعي، بما يجنب البلاد الصراعات والحروب التي تستنزف اقتصاد البلاد، وبالمقابل فإن عدم الاهتمام بالتعليم سيقود إلى مزيد من الجهل والخراب والدمار، والواقع أمامنا، ومن لا يتعلم من التاريخ والتجارب يعيش المأساة مرتين، بل وعشر…
معتز العطا
جامعة بحري





