
عبد الرحيم محمد سليمان كتب :القضارف.. غياب التنمية وصمت المسؤولين
أتاحت لي تجربة النزوح التعرف عن كثب عن ولاية القضارف التى تبدو أشبه بمدينة ضربتها الكوارث، أو مدينة خرجت لتوها من الحرب ، رغم أنها لم تشهد صراعات ولا معارك عسكرية، لكن تعيش وضعا ماسويا لا يقل سوءا عن ذلك فالبنية التحتية منهارة، والخدمات الأساسية شبه غائبة، كأنها ولاية خارج حسابات الدولة.
فهي تعاني من أزمة مياه خانقة رغم أنها تضم مشاريع زراعية ضخمة، ومواسم الأمطار فيها تُغرق الأرض، لكنها لم تستفيد من أي مشاريع استراتيجية لحصاد المياه أو تحسين شبكات الإمداد المائي ، المواطنون يعتمدون على حلول تقليدية للحصول على المياه.
بينما تظل محطات الضخ عاجزة عن تلبية الإحتياجات ويظل مشروع مياه القضارف “علف” تصبيرة لاهالي الولاية، اما الكهرباء، فحدث ولا حرج، فالتيار الكهربائي متذبذب والانقطاع أصبح القاعدة والجدولة هي الواقع ، هذا الوضع يؤثر سلبا على القطاعات الحيوية، من الزراعة إلى التجارة.
وحتى الحياة اليومية للمواطن البسيط الذي لا يجد أبسط مقومات العيش الكريم،والاسواق تعكس حجم الإهمال الذي تعاني منه الولاية فالبنية التحتية مهترئة، والنظافة تكاد تكون منعدمة، والتنظيم غائب تماما، وحتى الأسواق الشعبية، التي تعد شريان الحياة الاقتصادية، تفتقر إلى أبسط معايير التنظيم والسلامة والصحة، ما يجعلها بيئة غير مناسبة للبيع والشراء، فضلًا عن افتقارها للمرافق الضرورية التي تضمن راحة التجار والمستهلكين، وكذلك سنحت لي الفرصة بزيارة قرية المتنا ريفي قلع النحل وللاسف الشديد وجدت الطرق الرئيسية في الولاية تبدو وكأنها ضحية براميل متفجرة القتها طائرة انتنوف ،فالصيانة معدومة والحفر والتشققات منتشرة، والتنقل بين المدينة والقرى محفوفا بالمخاطر.
ناهيك عن غياب الاهتمام فى تشيد الطريق البديل القضارف الحواتة الدندر الذي سيعد الشريان الاساسى لنقل المحاصيل إلى الأسواق المحلية والمركزية. هذا الاهمال المتعمد ادى إلى ارتفاع تكلفة النقل، وبالتالي زيادة أسعار المنتجات، وانعكس ذلك سلبًا على حياة المواطنين فاسعار المنتجات فى القضارف تعد الاعلى بين الولايات.
والحق يقال ان القضارف رغم أهميتها الاقتصادية كاكبر ولاية يعتمد عليها الاقتصاد القومي ،الا انها لم تحظ بالاهتمام الكافي من المركز على مدى الحكومات والانظمة المتعاقبة، فهي بالنسبة للجميع مصدر للجبايات والموارد دون أي خطط جادة لتنميتها، كأن هناك قناعة راسخة لدى المسؤولين بأن القضارف لا بواكي لها وبالتالي لامسؤولية جنائية ولا اخلاقية على استمرار التدهور في كافة قطاعاتها، كما أن عملية اختيار الولاة ظلت تعتمد على معايير لا تخدم الولاية ، إذ يأتي كل والي ليؤدي دور المحصل المالي للمركز، دون أي رؤية حقيقية للتطوير، لذلك فان الولاية تدور اعوام عديدة ودهور مديدة في حلقة مفرغة من الإهمال والتراجع المستمر، ونحن اذ نكتب فاننا نحاول ان نستنهض القضارف من سباتها العميق، فهي بحاجة إلى قيادة تؤمن بأن التنمية لا تعرف المناطقية ولا القبلية، بل تعتمد على الكفاءة والرؤية الاستراتيجية، تحتاج الولاية الى وطنين يعملون من أجل الجميع، يضعون خطط للبنية التحتية ويؤسسون لمرحلة جديدة تعتمد على استثمار مواردها الضخمة.
بدلا من تركها نهبا للاهمال والتجاهل، لان القضارف ليست مجرد بقعة جغرافية مهمشة، بل هي عمود فقري للاقتصاد السوداني، وإذا ما وجدت القضارف الاهتمام الحقيقي، فإنها قادرة على أن تكون نموذجا تنمويا يحقق الاكتفاء الذاتي ويساهم في نهضة السودان. فهل ستظل مأساة القضارف منسية، أم أن هناك أملًا في غد أفضل؟





